الخميس، نوفمبر 27، 2008

أبو جرة في خدمة البلاد


" من كان كلامه لا يوافق فعله ، فإنما يوبخ نفسه" .
ابن مسعود رضي الله عنه


أبو جرة سلطاني يقول بأنه يضع نفسه في خدمة البلاد.. أو تحت تصرف البلاد.. أو شيء بهذا المعنى. الكلام صدر عن الرجل، مباشرة بعدما وافق نواب البرلمان الجزائري على قطع الغيار الجديدة التي وُضعت في الدستور الجزائري.
توقفت عند كلام أبو جرة سلطاني، و رحت أحاول بنية صادقة أن أفهم ماذا يعني أن يضع أبو جرة سلطاني نفسه تحت تصرف الوطن؟ في ماذا يمكن لشخص مثل أبو جرة سلطاني أن ينفع البلاد ؟
كلام سلطاني ذكّرني، ببيان أصدره حزب سياسي جزائري، في اليوم الذي شنّت فيه الولايات المتحدة الأمريكية أول غارة جوية ضد العراق نهاية 1991. في ذلك البيان، لم يكتف ذلك الحزب بالتعبير عن مساندته " المطلقة" للرئيس صدام حسين، و إنما ذهب إلى أبعد من هذا، و خاطب صدام حسين قائلا له بأن الحزب " يضع كل إمكاناته و إمكانياته تحت تصرفه"! حينها، و بعدما قرأت نص ذلك البيان، رحت أتخيّل الإمكانيات التي يتوفر عليها ذلك الحزب و التي يمكنه أن يضعها تحت تصرف صدام حسين في مواجهته للعدوان الأمريكي، فصدام كان في ذلك الوقت في حاجة إلى طائرات و دبابات و بطاريات مضادة للصواريخ جد جد متطورة، و باختصار، كان صدام حسين يحتاج إلى أسلحة من الجيل الذي يتعامل مع الأقمار الاصطناعية أي أسلحة من نفس طراز الأسلحة التي استخدمها ضده الرئيس الأمريكي جورج بوش الأب،في ذلك الوقت، و هي أسلحة أظن بسذاجتي أنها لم يكن لها من شبيه إلا في إسرائيل أو الاتحاد السوفياتي سابقا و كذا في بلدان قليلة جدا مثل فرنسا و بريطانيا...مثلا. فعن أي إمكانيات كان يتحدث ذلك الحزب في بيانه، و التي طمئن صدام بخصوصها، و قال له بأنه يضعها تحت تصرفه.. رحت أتساءل؟ و أعترف لكم بأنني إلى يومنا هذا لا أزال أشك في كون ذلك الحزب كان يتوفر فعلا على إمكانيات كفيلة بأن تنفع صدام حسين فعلا، في مواجهة الأمريكيين... لو فقط، عرف صدام كيف يقفز على الفرصة، و استعمل الإمكانيات التي وضعها ذلك الحزب الجزائري تحت تصرفه !
اليوم، أجد نفسي مرة أخرى، محتارا أمام الفرصة التي يوفرها أبو جرة سلطاني للوطن، ما دام الرجل قد قال بعظمة لسانه و بشهادة العالم بأنه يضع نفسه تحت تصرف البلاد !
بصراحة، لا أظن أن قادة الوطن أغبياء، كي يفوتوا فرصة من ذهب مثل تلك التي يوفرها لهم أبو جرة سلطاني، خصوصا و أن الفرص تأتي إلا مرة واحدة كما يُقال.
حسنا، لنتصور الآن مدير ديوان الرئيس بوتفليقة يتصل هاتفيا بأبي جرة سلطاني و يقول له: إن الرئيس قبل العرض الذي تقدمت به، و هو يقول لك: " ضع نفسك تحت تصرف البلاد !"
يمكننا أن نتصور أيضا، أبو جرة سلطاني يرد على تلك المكالمة الهاتفية بالقول: " يمكنكم أن تؤكدوا لفخامة الرئيس بأنني تحت تصرف البلاد ابتداء من هذه اللحظة !"
خلاص... c'est bon ! أبو جرة سلطاني عرض على البلاد أن يضع نفسه تحت تصرفها. و البلاد ممثلة في رئيسها قبلت أن يضع أبو جرة سلطاني نفسه تحت تصرفها. و أبو جرة سلطاني أكد رسميا بأنه أصبح تحت تصرف البلاد !
و ماذا بعد ؟!
لأنني أعرف مسبقا بأن قادتنا الأعزاء حفظهم الله و أطال في أعمارهم، لا وقت لهم يضيعوه في الرد على أسئلة من شاكلة سؤالي هذا (ما معنى أن يضع أبو جرة سلطاني نفسه تحت تصرف البلاد ؟)، فإنني سأجتهد في ترجيح كمّ من الأجوبة المحتملة على السؤال: " ما معنى أن يضع أبو جرة سلطاني نفسه تحت تصرف البلاد ؟"

1 بمجرد ما يضع أبو جرة سلطاني نفسه تحت تصرف البلاد، لن يستطيع الروس مستقبلا أن يبيعون للجزائر طائرات خردة من شاكلة تلك التي صرّفوها لنا منذ شهور، لأن أبو جرة سلطاني يفقه جيدا في أمور الطائرات عموما و كل ما له صلة بالعتاد الحربي على وجه الخصوص.

2 ما أن يضع أبو جرة سلطاني نفسه تحت تصرف البلاد، تصبح الجزائر قبلة العلماء من كل جنس، من كل دين، لا بل هي تتحول إلى مزار لا مفر منه لكل من يدعي في العلم معرفة، لأن الجزائر ستفاجئ العالم بالحل الشافي لمرض الكوكب القاتل.. الاحتباس الحراري. فلـ" الشيخ" دراسات " بلاندي" في هذا المجال، كانت كفيلة بأن تجلب له جائزة نوبل لكل الأزمنة، لو هو فقط قبل بأن يضعها تحت تصرف البشرية، مثلما قبل بأن يضع نفسه تحت تصرف البلاد.

3 مباشرة عقب وضع أبو جرة سلطاني لنفسه تحت تصرف البلاد ستموت أسماك البحر الأبيض المتوسط جوعا، لأنها لن تجد مستقبلا أشلاء " حراڤة" جزائريين تتغذى عليها، كما حدث و يحدث منذ سنوات. فللزعيم الاسلاموي خلطة عجيبة تضمن لكل شاب جزائري شغل، فيلا، هوندا و بلوندا.

4 ساعات قليلة بعدما يضع أبو جرة سلطاني نفسه تحت تصرف البلاد، يُصدر أمير القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي، بيانا يعلن فيه قرار الحل الطوعي للتنظيم، لأن الحجة التي تأسس من أجلها التنظيم لم تبق قائمة بمجرد ما أصبح أبو جرة سلطاني تحت تصرف البلاد. فهذا التنظيم حسب ما نعرف جميعا قام لأجل إقامة الدولة الإسلامية في الجزائر. و ما أن قبلت البلاد بأبي جرة موضوعا تحت تصرفها، تحقق حلم الخلافة الإسلامية، لا.. بل تحققت super خلافة إسلامية بفضل un super إسلاموي هو بطبيعة الحال أبو جرة سلطاني الذي لا يشكك أحد من الاسلامويين، في مدى اسلامويته و نضاله الأسطوري من أجل القضية الاسلاموية كما حلم بها الإخوان المسلمون و عباسي مدني و علي بلحاج و كما حلم بها حتى محفوظ نحناح.

5 في الساعة نفسها التي يعلن فيها أبو جرة سلطاني وضع نفسه مسخرا تحت تصرف البلاد، يمكن لأعضاء البوليساريو أن يتبادلوا القبلات و التهاني احتفاء بحصول الشعب الصحراوي على استقلاله و تحرره من الاحتلال المغربي لأراضيه. فملك المغرب ليس مستعدا ليلعب مجددا مع الجزائر في قضية الصحراء الغربية و هو الذي يعرف من يكون أبو جرة سلطاني، و ماذا يعني أن يضع أبو جرة سلطاني نفسه تحت تصرف بلاده. فلا التأييد الأمريكي، و لا التلاعب الأممي، و لا المساومات المختلفة يمكنها أن تنفع المغرب في هذه القضية، عندما يدخل على الخط رجل من طراز أبو جرة سلطاني.

6 في اليوم نفسه الذي يضع فيه أبو جرة سلطاني، نفسه تحت تصرف البلاد، تعلن كل الشركات النفطية و الغازية الأجنبية المتواجدة بأرض الوطن، انسحابها و عودتها إلى بلدانها الأصلية، و هذا لسبب بسيط و هو أن الجزائر سوف لن تبقى في حاجة لا إلى بترول و لا إلى غاز، كي يأكل قادتها و يأكل معهم الشعب ما تيسّر - كالعادة - . فصحاري الجزائر التي لم تكن تصلح سوى للموت عطشا أو لخطف السياح الأجانب، تتحول بين عشية و ضحاها إلى جنّة كاليفورنية. فالشيخ أبو جرة، لو لم يكن متأكدا من le bagage الذي يتوفر عليه في مخاطبة الأرض و جعلها تثمر ما لا عين رأت و لا أذن سمعت و لا لسان ذاق، لما فكّر أصلا في أن يضع نفسه تحت تصرف البلاد.

7 أنتم سمعتم دون شك عن المساعي الشاقة التي بذلها المسؤولون الجزائريون من أجل الاتصال بالأدمغة الجزائرية المقيمة خارج البلاد... في الولايات المتحدة الأمريكية، و كندا، و أستراليا، و فرنسا و بريطانيا و هولندا و الدنمرك و النرويج و السويد، بغية إقناعها بالعودة و تحويل المعرفة و التكنولوجيا التي تكتنزها تلك الأدمغة إلى الجزائر، و لكن بدون جدوى. فلتعلموا إذن، بأن كل تلك الأدمغة تعود كلها في نفس اليوم الذي يسخّر فيه أبو جرة سلطاني نفسه، و تعلن بصوت واحد بأنها قبلت بأن تضع نفسها تحت تصرف البلاد !... لماذا ؟ ببساطة، لأن أبو فرصة قبل بأن يضع نفسه تحت تصرف البلاد !هذه إذن سبعة أجوبة محتملة.. أعلم مسبقا أنها خاطئة كلها.

الثلاثاء، نوفمبر 18، 2008

عمره عمر انتظارنا استلام المشعل


" لن يكون لدينا ما نحيا من أجله، إن لم نكن على استعداد لأن نموت من أجله".
تشي غيفارا


باراك أوبما أصبح رئيسا للولايات المتحدة الأمريكية. بعض سكان الأرض يقولون أن شيئا ما حدث للكوكب إضافة إلى الاحتباس الحراري و تداخل الفصول و كل المصائب البيئية الأخرى، ما دام رجل أسود استطاع أن يحكم الأمريكيين و هم الذين قد أتوا بالسود لا لشيء إلا ليستعبدونهم لا ليكونون رؤساء عليهم... و لكن هذا ما حدث في نوفمبر 2008. فكل شيء يتغيّر.. حتى الطبيعة ... حتى لون بشرة الرجل و المرأة اللذان سيقيمان بالبيت الأبيض الأمريكي ... حتى فيدل كاسترو تغير... إلا نحن، لم و لا لن نتغيّر، مع أننا من أكثر بشر العالم ترديدا لشعار التغيير في خطبنا، و إن كان أحد رؤساء حكوماتنا السابقة و هو رضا مالك عدّل ذات مرة شعار التغيير ليجعله " التغيير في كنف الاستقرارية" !
كثيرون هم الذين أُعجبوا بعمر الرئيس الجديد للولايات المتحدة الأمريكية، و في صدارة هؤلاء المعجبين،الجزائريين. و لكن البعض لا يفهم لماذا هم الجزائريون يقفون مشدوهين أمام باراك أوباما فقط لأن عمره لا يتعدى 47 سنة ؟! فعندنا في الجزائر، توفي الرئيس هواري بومدين، و عمره لا يتجاوز 44 سنة. ما يعني أن " موستاش" كما يحلو للكثير مناداته، عندما أصبح رئيسا لمجلس الثورة عام 1965 لم يكن يبلغ من العمر إلا 31 سنة، أما في عام 1976 عندما ترشح ضد نفسه في الانتخابات، و عندما انتخبه الشعب الجزائري par télépathie بنسبة 99.99 %، ما جعله رئيسا للجمهورية بمنطق الشرعية الديمقراطية الجزائرية، فان عمره لم يكن يصل إلى 42 سنة. فلماذا الإعجاب بعمر أوباما إذن ؟
أنا أقول أن الفارق بين الرجلين لا يختلف في شيء عن الفارق بين السماء و الأرض. لأن الربط في الكلام بين رئيس لـلـ " الماريكان" و رئيس للجزائر، يشبه تقريبا الربط في الحديث بين التلفزيون الجزائري و "فوكس"، هذا أولا. ثانيا: باراك أوباما لم يصبح من نصيبه ذات المكتب البيضاوي الذي جلس من ورائه،أبرهام لنكولن و روزفلت و ازينهاور و كيندي و جورج وشنطن إلا بعدما تأكدت الطبيعة قبل البشر من نضجه كآدمي، و نحن المسلمون نعرف أفضل من غيرنا بقوة ما ورد في ديننا أن الرشد و الحكمة و الرزانة و التعقل و باختصار النضج، تجتمع في كل كائن بشري اعتبارا من سن الأربعين، حتى أن الله سبحانه عز و جل و هو العزيز الحكيم، لم يُنزل الرسالة (الوحي) على رسولنا الكريم محمد صلى الله عليه و سلم إلا بعدما أكمل من عمره أربعين عاما.
باراك أوباما إذن، هو شاب أي نعم، و لكنه شاب ناضج و تجاوز الأربعين بسبع سنوات، بينما رئيسنا الراحل هواري بومدين، كما سبق أن ذكرت، أصبح رئيسا للجزائريين في سن الواحدة و الثلاثين !
صحيح أن الجزائر بعد استقلالها، لم يرثها إلا جيل الثوار بمفهوم الجنود الذين هبطوا من الجبال، و كل أولئك كانوا شبابا، ما جعل الوزراء قبل سن الثلاثين، يدوّخون العالم في أمرهم... كلهم كانوا صغارا من الرئيس أحمد بن بلّة إلى عبد العزيز بوتفليقة الذي كان أصغر الوزراء آنذاك و قد عُهدت إليه حقيبة الشباب و الرياضة وقتها. كانوا صغارا كلهم إذن، و لكن هذا لا يوفر التبرير القادر على حجب الحقيقة و هي أنهم كانوا صغارا... و بومدين كذلك كان صغيرا، عكس باراك أوباما الذي هو كما ترون و كما تعلمون - ربّي يبارك- في السابعة و الأربعين من العمر، و مع ذلك، رأينا كلنا كيف أن الأمريكيين كانوا مبتهجين بوصوله إلى سدة الحكم لأنهم يرون فيه الشاب الذي يعود بذاكرتهم الجماعية إلى رئيس شاب آخر اسمه كيندي.
نعم باراك أوباما ذو الـ 47 عاما، يظهر شابا في عيون الأمريكيين!
ثالثا: باراك أوباما انتخبه الشعب الأمريكي بكل حرية و شفافية و ديمقراطية، رئيسا للولايات المتحدة الأمريكية، و حتى مخلوقات الكواكب الأخرى إن هي وُجدت، تستطيع أن تشهد أمام الله أن الأمريكيين الأحرار اختاروا باراك أوباما خلفا لجورج بوش. بينما هواري بومدين، قاد انقلاب على بن بلّة و نصّب نفسه رئيسا، و الذين انتخبوه 11 سنة بعد الانقلاب، هم الذين كان عليهم أن يختاروا بين هواري و بين بومدين، فاختاروا بطاقة الناخب مختومة!
بومدين، إذن، في 1965 لم يختره أحد، و في سنة 1976 اختار نفسه. فهل من مجال للمقارنة بينه و بين باراك أوباما ؟!
رابعا: باراك أوباما مدني، و قد كان سيناتورا (سيناتور بالمفهوم الأمريكي) سطع نجمه عام 2005، و في ظرف ثلاث سنوات دفعت به موجة الديمقراطية إلى البيت الأبيض الأمريكي. عكس بومدين الذي كان عسكريا و لم تدفع به أي موجة باتجاه الحكم، عدا المسلّحين الذي كانوا معه. قد أكون أنا نفسي من المعجبين بشخص بومدين، و قد يكون من بينكم من هو كاره لشخص بن بلّة و يعتقد مقتنعا بأن بومدين، إنما خيرا فعل عندما أزاح بن بلّة من الحكم، و لكن هذا أيها الأصدقاء لا يستطيع أن يحجب وشم الحقيقة .. و الحقيقة أن بومدين عسكري أطاح بنظام حكم مدني.
الرئيس عبد العزيز بوتفليقة يُقال أنه يبلغ من العمر 77 سنة. باراك أوباما يبلغ من العمر 47 سنة. فارق السن بين الرجلين يقدر بـ 30 سنة. أوباما يستعد لحكم الولايات المتحدة الأمريكية لأول مرة. بوتفليقة " قد" يتأهب ليحكم الجزائر لثالث مرة. أوباما سيحكم بلدا مريضا بالشيخوخة و هو لا يتأخر عن استخدام أي وسيلة لاستقطاب مهاجرين قادرين على التناسل و إنجاب أمريكيين جدد، حفاظا على بقاء الجنس الأمريكي. بوتفليقة " قد" يحكم لثالث مرة، بلدا ما انفكت الإحصائيات تقول أن 75 % من سكانه شباب. القاعدة هنا مقلوبة على رأسها كما يمكنكم أن تستنتجوا، بحيث أن الولايات المتحدة الأمريكية التي كان يُفترضُ أن يحكمها شخص في أرذل العمر ربما، ها هي تتنكر للشيخوخة و تختار الشباب.. الحيوية و الفكر الحديث، و أفضل من هذا و ذاك، ها هي تقلب كل الموازين و تزكّي رجلا أسود، بينما الجزائر التي كان يُفترضُ أن يحكمها شخص في سن باراك أوباما، ها هي على وشك أن تُحكم للمرة الثالثة من قبل عبد العزيز بوتفليقة، و أظن أنه لا عيب في كلامي إن أنا قلت أن بوتفليقة شخصا متقدما في السن، لأن القول بعكس ذلك، إنما هو العيب كل العيب لما فيه من نفاق و سخرية مقنّعة.
زعماء الولايات المتحدة الأمريكية، هم الذين أخلوا السبيل أمام باراك أوباما و سمحوا له بالترشح لقيادة بلدهم، و لا أتذكر أنني سمعت لمرة واحدة، أحد رموز المجتمع السياسي الأمريكي يتحدث عن " المشعل" و ضرورة نقل " المشعل" للأجيال الصاعدة، و مع ذلك، هم نقلوا المشعل بالفعل لواحد من الجيل الصاعد. في المقابل، منذ 1962، و قادة الجزائر يحدثوننا عن " المشعل" و عن حتمية تحويل " المشعل" للجيل الجديد، و إلى يومنا هذا، ها هم لا يزالوا يحتفظون بذلك المشعل! الجيل الجديد سئم الانتظار.. البعض أنعم عليه الرحمان بالعلم، فأخذ شهادته و طار بعيدا عن الوطن، و البعض الآخر وجد ضالته زبالا أو حلاّبا في واحد من بلدان العالم الغربي ، آخرون " حراڤة" أحرقتهم الأقدار و آخرون " حراڤة " على قائمة الانتظار... و المشعل لا يزال بين أيدي نفس القادة تقريبا، و أخشى ما أخشاه ألا يجد هؤلاء القادة لمن يسلموا المشعل أو أن يسلموه بنار خامدة.تصوروا أنهم حدثونا عن المشعل في 1962. منذ ذلك الوقت إلى يومنا هذا، ولد طفل أمريكي من أصول افريقية، اسمه باراك أوباما. هذا الطفل بلغ من العمر47 سنة و أصبح رئيسا للولايات المتحدة الأمريكية... و نحن لا نزال ننتظر اليوم الذي يوفي فيه هؤلاء بوعدهم و يسلموننا " المشعل" ! و أنا متيقن تمام اليقين من أننا بعد سنين من الآن إن أطال الله في أعمارنا، سنشهد على " طفل" أصفر اللون و ليس أسودا، يختاره الأمريكيون رئيسا لهم و نحن سنكون حينها شيوخا متكئين على جدار ننتظر استلام المشعل ! و أنا متيقن أيضا تمام اليقين من أننا سنموت و لن نستلم ذلك المشعل، لأن الظاهر أننا نحن الذين نشيخ و نموت، بينما هم يتشبّبون من يوم لآخر و يحيون أكثر فأكثر... أطال الله في أعمارهم و قصّّر من انتظارنا للمشعل.

الخميس، نوفمبر 13، 2008

"هاي" بوتفليقة !


ليس من الضروري أن يكون كلامي مقبولا، و لكن من الضروري أن يكون صادقاً
سقراط


هل يستطيع عبد العزيز بوتفليقة أن يعد أصدقاءه في الجزائر؟ مهما تكون طبيعة الجواب، دعوني أطرح سؤالا آخر: هل يستطيع الرئيس بوتفليقة أن يعد خصومه في البلد الذي يحكمه ؟ مرة أخرى، سوف لن أكترث كثيرا لنوع الجواب، لأنني سأسأل من جديد: هل يستطيع بوتفليقة أن يعد الأصدقاء الذين سيبقون أصدقاء له، حتى بعدما يتنحّى أو يُنحّى من على رأس السلطة ؟ مهما تكون الإجابة،سأسأل مجددا: هل يتذكر بوتفليقة، الأشخاص الذين كانوا أصدقاء له، قبل وفاة الرئيس بومدين... كم منهم، استمروا في صداقتهم له طيلة الفترة الممتدة بين 1979 و 1999، و كم منهم استأنفوا صداقتهم له، بمجرد ما أعلن الرئيس اليمين زروال، انسحابه من الرئاسة قبل الأوان، و بات اسم بوتفليقة رقما رابحا وحيدا في معادلة الحكم ؟ و كم هو عدد الأصدقاء الذين تنكّروا لبوتفليقة ما أن أصبح الشادلي بن جديد خليفة لبومدين، و لكنهم تخاصموا في ما بينهم حول أحقية أخذ بوتفليقة في الحضن و تقبيله على الجبهة ما أن تأكدوا من أن الرجل " رايس و ربّي كبير" ؟... و أخيرا كم هم، أصدقاء بوتفليقة الذين هجروه بعد رحيل بومدين، ثم التصقوا به، بمجرد ما أن عاد و الذين تأهّبوا لهجرته من جديد ما أن حامت الشكوك حول احتمال عدم ترشحه للبقاء في السلطة، و لكنهم صمّموا على الارتباط به و سيرتبطون به أكثر فأكثر ما أن يتيّقنوا من أنه باق بالفعل، لأن بوتفليقة و إلى أن يثبت العكس، لم يقل بعد بأنه سيرشح نفسه لولاية ثالثة أو أبدية ( اسمحوا لي بان أهذي و أقول كلاما عكس التيّار )، و إنما قال بأنه سيعدّل الدستور عبر بوابة البرلمان، حتى و إن شمل هذا التعديل المادة (74) الشهيرة التي تحدد عدد العهد الرئاسية بعهدتين فقط. لكن، دعوني، أعود إلى قضية الأصدقاء هذه...
لقد اجتاح ذهني كمّ عجيب من الأسئلة بخصوص أصدقاء الرئيس، عندما كنت أتابع بالصورة و الصوت، تدخله أمام القضاة و بحضور " المعاليم الكبار" بمناسبة افتتاح السنة القضائية الجديدة، و التي صدّع فيها سيل تعديل الدستور.... و أنا أرى كل تلك الوجوه الحاضرة بالمناسبة و التي كانت كاميرا حمراوي تتحفنا و تشرّفنا بها بمناظر كبيرة من حين لآخر، كنت أسأل نفسي: لماذا وجه هذا الرجل أصفر، أليست المناسبة فرصة لاحمرار وجوه مثل وجه هذا الرجل و هو المنتمي إلى طائفة الداعين إلى تعديل الدستور و ترشح بوتفليقة إلى عهدة ثالثة ؟!
و ذاك الرجل، لماذا وجهه أخضر، مع أنني عهدت بشرته سمراء، ألا يوجد في الكلام الذي قاله بوتفليقة ما يبيّض وجه أمثال ذلك الرجل المنتمي إلى ذات الزاوية التي يُقال أن بوتفليقة ينتمي إليها ؟!
و الآخر، ماذا يهمس في أذن ذلك العبوس الذي كان يجلس بجانبه.. ماذا كان يقول له؟ هل سأله : لماذا لم يقل بوتفليقة أنه سيعدل المادة (74) من الدستور، التي تسمح له بالبقاء في الحكم ؟ أم أنه قال له: لقد كذبت عليّ حينما أكدت لي آخر مرة بأن بوتفليقة مريض و سوف لن يقوى على الاستمرار في الحكم... لن أصدّقك مستقبلا مهما يحدث.. لقد خدعتني... ثم نرى الرجل يتدارك الموقف،يتوقف عن الوشوشة و يلتحق بالمصفّقين!
و ذاك الرجل، ماله منهار على كرسيه، و كأن بوتفليقة كان بصدد إعلان نكبة وطنية، ألم يشترك كل الجزائريين بالداخل و الخارج في وصف ذلك الرجل بـ " يد بوتفليقة الحديدية". سبحان الله ! ماذا حدث ؟ ألم تكن المناسبة مواتية كي تشرع تلك اليد الحديدية في ضرب القوم دون تمييز و بلا رحمة و لا شفقة، اعتبارا من تلك اللحظة التي قال فيها بوتفليقة كلاما فسّره الجميع على أنه تأكيد على البقاء في السلطة ؟
و ذلك الرجل الذي يحتل مقعدا في الصف الأمامي، ماله لا يتحرك و لا يلتفت، و لا يفعل أكثر من التحديق في وجه بوتفليقة ؟ هل كان يتابع شفتي الرئيس، في محاولة استباقية ذهنية منه لتفكيك ما سينطق به الخطيب، قبل حتى أن ينطق به؟... ما هو الشيء الذي من أجله كان الفضول يعصر قلب الرجل، و يجعله يبذل جهدا عقليا قاتلا بغية تلقّف الكلمات قبل حتى أن يتلفظ بها الرئيس؟ هل كان يريد أن يعرف إن كان بوتفليقة سيبقى لسنين أخرى أم أنه باق فقط إلى حين ؟!
كنت أرى الوجوه، و أتساءل إن كان من المتاح لي، اعتبار كل أولئك الحاضرين، من بين أصدقاء الرئيس بوتفليقة. كما كنت أتساءل إن كان أصدقاء الرئيس مسؤولين في الدولة بالضرورة، أو إن كان كل مسؤول في الدولة هو صديق لبوتفليقة آليا. كنت أتساءل كذلك، إن كان كل مسؤول في الدولة و صديق لبوتفليقة بطبيعة الحال، هو صديق d'office للعهدة الثالثة و إن كان من الممكن لواحد من كل هؤلاء أن يحتفظ بمكانه ضمن الأصدقاء، لو هو فضّل أن يحتفظ بصداقته لبوتفليقة، و لكن ليس للعهدة الثالثة؟... هنا بالضبط، تساءلت: ماذا لو يتضح أن كل هؤلاء الذين كنت أشاهد وجوههم على شاشة التلفاز، بينما كان بوتفليقة يخاطبهم محدثا إياهم عن التعديل الدستوري" المحدود " الذي لا يستدعي أخذ رأي الشعب بخصوصه، ماذا لو يتضح أنهم كلهم أصدقاء لبوتفليقة أي نعم، و لكنهم كلهم يرفضون صداقة العهدة الثالثة جملة و تفصيلا و في الشكل و المضمون، و مع ذلك هم يصفّقون كلّما صدر عن الرئيس أدنى تلميح إلى أي شيء يشير من بعيد إلى طيف العهدة الثالثة ؟! و ماذا لو يتضح أن كل هؤلاء الذين كنت أشاهد وجوههم، لا يرفضون صداقة العهدة الثالثة فحسب، و إنما هم مستعدون أيضا، للكفر بصداقتهم لبوتفليقة بمجرد ما يغادرون مواقع المسؤولية التي يحتلونها ؟! و ماذا لو يتضح أيضا بأن كل هؤلاء الذين كنت أستمتع برؤية وجوههم، ما هم في الحقيقة إلا أصدقاء لكل العهد... الثالثة و الرابعة و الخامسة... و الأبدية، لكن ليست عهد بوتفليقة وحده، و إنما هم أصدقاء لعهد كل رؤساء الجزائر، مهما كانت أسماؤهم ، الذين سبقوا منهم و الذين سيأتون... لأنهم و ببساطة أصدقاء لكل أولياء نعمتهم؟!
أبمثل هؤلاء الأصدقاء نجح بوتفليقة ؟ و هل بمثلهم أيضا سينجح، لو كتب له الله أن يبقي في الحكم ؟ و لماذا قد يصرُّ بوتفليقة على البقاء رئيسا؟ أ لأنه مقتنع بأنه محاط بأصدقاء سيساعدونه على تحقيق ما تبقى له من انجازات لم يكفه الوقت لتحقيقها في عهدتين ؟ أم أن بوتفليقة " سوبرمان" حقق ما أراد لوحده خلال عشر سنوات من الحكم، دون أن يكون في يوم من الأيام بحاجة لأي واحد من كل أولئك الأصدقاء الذين أحاطوا به من كل جهة و جهة، تماما كما سوف لن يكون بحاجة لأي واحد منهم في العهدة أو العهد القادمة ؟
قبل بوتفليقة، هل نجح بن بلة بفضل أصدقائه الذين وزعهم على مناصب المسؤولية، في حماية نفسه من الانقلاب الذي قاده ضد بومدين ؟ و هل نجح بومدين من خلال أصدقائه الذين اخترهم بنفسه و عوّل عليهم في إنقاذ الثورات الزراعية و الصناعية و الثقافية ؟ و هل نجح الشادلي عن طريق أصدقائه في التصدّي إلى الذين قادوه إلى باب الخروج من قصر المرادية في جانفي 1992 ؟ و هل كان اليمين زروال سيفضل العودة إلى بيته، لو أحسّ للحظة واحدة بأنه محاط بأصدقاء،هو مقتنع بوفائهم له، و باستعداد كل واحد منهم لأن يكون زروال " مستنسخ" في مكان المسؤولية التي يضطلع بها ؟
كل رؤساء الجزائر أحاطوا أنفسهم بأصدقاء، و كل أولئك الأصدقاء هتفوا " هاي بن بلّة"، " هاي بومدين"، " هاي الشادلي"، " هاي زروال"، و هاهم يقولون لبوتفليقة " هاي بوتفليقة"... " هاي" لتعديل الدستور،" هاي" لعهدة ثالثة... و " هاي" وألف " هاي" لكل شيء !لماذا هم يقولون « هاي» ؟ انهم يقولون « هاي» لمناصبهم و لأنهم أصدقاء لمصالحهم، و لا أحد منهم صديق لهذا الوطن. و تلك مصيبة هذا البلد. فإذا كان المثل الشهير يقول: لكل دهر دولة و رجال، فللجزائر بقيت نفس الدولة و بقي ذات الرجال الذين يقولون " هاي". و كل أولئك الرجال كانوا و سيبقون أصدقاء لسيد اللحظة، لا للأمانة.أما الوطن.. أما أنت فلك الله يا وطن.

الخميس، أكتوبر 30، 2008

بوتفليقة... عيش LA VIE !


" نصف ما أقوله لك لا معنى له، ولكنني أقوله ليتم معنى النصف الآخر".

جبران خليل جبران


خلال زيارة بوتفليقة الأخيرة لتلمسان، لاحظ المراقبون و الإعلاميون أن دعوات الرئيس للترشح لعهدة ثالثة قد اختفت بقدرة " قادر". لم أهتم بهوية " القادر" الذي أمر القوم بالكف عن إقحام أنوفهم في موضوع لا يهمّهم و لا يجب أن يهمّهم، كما أنني لم أهتم إذا ما كانت الصفعة التي تلقّاها هواة تلاوة لوائح التأييد و المساندة، مؤشر لعدم تقدم الرئيس الحالي للانتخابات الرئاسية المقبلة أم لا، كما أنني لم أكلف نفسي عناء البحث إن كانت دعوات بوتفليقة للترشح لعهدة ثالثة ستُستأنف في الأيام أو الأسابيع القادمة أم لا، كما أنني لم أضيّع وقتي و جهدي في محاولات يائسة لمعرفة الشخص الذي يمكنه أن يستلم مفاتيح المرادية من بوتفليقة، ما دامت الأفواه أُمرت على غير العادة بالتوقف عن ترديد أنشودة الماندة الثالثة. و من كل ممّا لم يهمّني استطعت في المقابل أن أستنتج أمرا لم يحظ باهتمامي فحسب و إنما أعجبني أيضا أيّما إعجاب، و دفع بي إلى التساؤل إن كنا بقدرة "قادر" دائما - لأننا لا نستطيع أبدا أن نفعل شيئا بإرادتنا - قد بدأنا نضع أقدامنا على السكة الصحيحة و أننا شرعنا ربما في كتابة صفحة جديدة من تاريخ جمهوريتنا ما قبل الأولى، حتى لا أقول الجمهورية " صفر" كما يُقال عن الأعداد التجريبية للصحف المكتوبة. ماذا استنتجت ؟ سأقول لكم.
لقد استنتجت أن هناك من فكّر و قدّر و قرّر - ربّما- أن مغادرة بوتفليقة للحكم سيكون أنفع له كشخص... كبشر. قد يكون - ربما دائما- ذلك الذي فكر و قدر و قرر، هو بوتفليقة نفسه.
الآن قد تتساءلون: و لكن، لماذا لا يبقى بوتفليقة رئيسا للجزائر ؟! أنا أجيب: واش مدخلنا ! قد تتساءلون من جديد: و حينما يخرج بوتفليقة من الحكم ماذا سيفعل ؟ هذا هو السؤال الذي سـأرد عليه بكل فرح و سرور، و قبل أن أكشف مضمون ردّي، أريد أولا أن أقول لكم بأنني أمام سكوت القوم بقرار فوقي عن عدم التلفظ بشيء اسمه العهدة الثالثة، تخيّلت لو أننا نعيش مرحلة في تاريخ الجزائر، نرى فيها الجماهير الشعبية - على حد تعبير الاشتراكيين- تستقبل رئيسا للجمهورية الجزائرية بلافتات مكتوب عليها: " تقاعد سعيد فخامة الرئيس" أو " نحن في حاجة إليك بعد التقاعد".
لقد تخيّلت أيضا، واحدا من رؤساء الجزائر- و ليكن بوتفليقة إذا ما أردتموه مثالا- يقوم بزيارة كتلك التي قام بها منذ أيام لتلمسان، و يحظى بحفل " أكاديمي" - حتى لا أقول رسمي- في الجامعة، و في ذلك الحفل يأخذ عميد الجامعة الكلمة وسط سكوت العلماء، و يدعو الرئيس، شهور قليلة قبل انتهاء عهدته الرئاسية، باسم المجتمع الجامعي و الجالية العلمية الجزائرية إلى الموافقة على إلقاء محاضرة في الجامعة، كل ستة شهور أو محاضرة واحدة في العام الواحد يا سيدي.
هل من ممنوع في ما تخيّلته ؟ هل من حرام في ما تصورت ؟ هل من منكور في ما ذهب إليه عقلي ؟ لماذا، في هذا البلد لا نحسن سوى دعوة الرئيس - أي رئيس كان- كي يبقى ؟ من ذا الذي أقنعنا أن رؤساء الجزائر خُلقوا لكي لا يكونوا إلا رؤساء، و لا يموتون إلا و هم رؤساء و ما من مهنة أخرى يستطيعون القيام بها عدا مهنة رئاسة الجمهورية الجزائرية الديمقراطية الشعبية ؟! لماذا لا نترك الرئيس يذهب و حاله ؟
أتذكر أن الرئيس الأسبق الشادلي بن جديد، خاطب رجال و نساء الآفلان في مؤتمر حزبهم الذي أعقب أحداث 5 أكتوبر 1988، قائلا لهم في ختام الكلمة التي ألقاها: " أعطني حريتي أطلق يدي ". الرجل كره و ملّ و كفر باليوم الذي قبل فيه أن يكون رئيسا ربّما، فراح يتوسّل: "أتركوني و حالي.. عافوني يا الله !" فكان رد الجماعة أن ورّطوه في عهدة أخرى، ليته ما باشرها لأنها انتهت بالشكل الذي نعرفه كلنا و الذي لا يتمنى أي رئيس أن ينتهي حكمه بتلك الطريقة.
بوتفليقة أصبح رئيسا للجزائر عام 1999، و حاليا نحن في سنة 2008، و في أفريل 2009 موعد إجراء الانتخابات الرئاسية، تكون عشر سنوات قد مرّت من عمر عبد العزيز بوتفليقة و هو حاكم أعلى للجزائر. لو تسألوا أي مجرّب في أمور الحكم و متاعب السلطة فانه يقول لكم بأن العام الواحد في السلطة يلتهم عشر سنوات من عمرك، ما يعني أن بوتفليقة بحلول أفريل 2009، يكون قد ضيّع 100 سنة من عمره. علما أن تقدير ضياع 10 سنوات عن كل سنة من عمر أي شخص يتولّى الحكم، هو تقدير قد ينطبق على حكام البلدان الأخرى، أما عندنا في الززاير، فإنني أرى أن العام الواحد بالمرادية يأكل 100 سنة من عمر كل من يقبل بأن يكون رئيسا ، ما يعني أن بوتفليقة يكون في أفريل 2009 قد خسر 10 قرون من حياته !
الآن، تصوروا معي، شخصا يضيّع 10 قرون من عمره، و مع ذلك يظل الناس يطالبونه بتضييع المزيد ! " لا يا صاحبي !" هذا هو الرد الطبيعي الذي قدر يصدر عن أي شخص واع بحجم السنوات التي ضاعت من عمره، عندما كان في الحكم (ملكا كان أو رئيسا) و أمه أو والده أو إخوته يعتقدون بأن ابنهم " جاب الصّيد من وذنو" كما يُقال. يمكنكم أن تتصوّروا معي أيضا، شخصا يقضي 10 سنوات في سجن حتى و إن كان ذلك السجن سبعة نجوم، فهو سجن في نهاية المطاف،و عندما يقترب موعد الإفراج عن ذلك الشخص، يجد نفسه أمام من يقول له: " يا ولدي لو كان تقعد هنا خيرلك !" " دبّر على روحك" هذا هو أيضا الرد المنتظر الذي يصدر عن أي إنسان يعرف قيمة الحرية، و الحقيقة أن كل الآدميين ليسوا بحاجة ليكونوا بوتفليقات كي يعرفوا قيمة الحرية، و بوتفليقة آدمي لكنه قد يعرف أفضل من كثير من الآدميين معنى الحرية و ليس قيمتها فحسب.
عندما باغت الرئيس السابق اليمين زروال ، العالم عام 1998 بقراره بالعودة إلى بيته بباتنة، قيل و كُتب الكثير عن الأسباب التي قادت الرجل إلى تقليص عهدته الرئاسية، و كأنه يجب حتما أن يتوفر سبب آخر لذلك القرار، عدا سبب غاية في البساطة و هو أن زروال " ما خرجتش عليه" ربما تلك الحياة الرئاسية و تلك الأجواء و البروتوكولات و القيود. نعم، هكذا ببساطة ! فلزروال حياته الخاصة، و لكل شخص حياة " واحدة" من حقّه أن يكون غيورا عليها و لا لأحد الحق في التصرف فيها بشكل أو بآخر.
منذ سنوات، و بعدما كان الرئيس الشادلي بن جديد قد اُزيح من الحكم، سمعت أن الشادلي و الجنرال خالد نزّار التقيا وجها لوجه... أين ؟ في مستشفى " عين النعجة". اليوم، لماذا لا نمنح لبوتفليقة و الجنرال العماري فرصة الالتقاء في أحد منتجعات جنيف بدلا من المستشفى.
أول رئيس للجزائر المستقلة، لا شك أنكم قرأتم عنه بأنه رقص كما يحلو له منذ أيام على أنغام الشيخ الغفور... نعم، لقد رقص و "برّد قلبو" في الرقص. و قد رقص قبل ذلك في أحد الأعراس بواحد من فنادق العاصمة الفخمة. هو حر " واحد ما يسالو". فبن بلّة الآن، شخص كأي شخص آخر لا هو رئيس و لا هو وزير. لماذا لا يتركون بوتفليقة يتحرّر من العالم الذي يعيش فيه منذ 1999... لماذا يريدون حرمانه من الرقص هو كذلك.
لماذا نحن مرضى في هذا البلد بربط مصير البلد بالشخص الواحد و ربط مصير الشخص الواحد بمصير البلد. بوتفليقة نفسه، ماانفك في بداية حكمه للجزائر يردد بأن للجزائر كعبة يحميها.
الذين يقرأون كتاباتي، ما من شك أنهم يتذكّرون بأنني قلت مرارا و تكرارا بأنني واحد من أولئك الجزائريين الذين لا يكترثون أبدا... نهائيا، لبقاء بوتفليقة رئيسا إلى أن يتغير اسم البلد، و حتى حينما يتغير اسم البلد يمكن لبوتفليقة أن يغيّر اسمه هو كذلك و يستمر في الحكم... " نورمال"، هذا لا يقلقني مطلقا، لأنني كما قلت في ما سبق، أنا واحد من المقتنعين بأن رؤساء الجزائر ما هم في الحقيقة إلا شخص واحد بأسماء مختلفة. و لكن لو تسألونني من دون خبث: هل تفضّل بقاء بوتفليقة أم ذهابه ؟ فإنني سأجيبكم - بدون خبث أيضا-: إن هو بقي، فهذا لا يزعجني، و لكن هذا لا يعني أنني أحبه، و إن هو ذهب فان هذا سيفرحني، و لكن هذا لا يعني أنني أكرهه. و لكني فقط، أتمنى بكل صدق و من دون نفاق أن يعيش هذا الرجل باقي سنوات حياته في كنف الحرية و الراحة و بعيدا عن المسؤولية و الهموم و القيود. أتركوا الرجل يصول و يجول في العالم. لنترك بوتفليقة، " يشوف وجه ربّي" كما فعل ونستون تشرشل الذي كان بعد تقاعده يعيش الشتاء في ‏مراكش ، والصيف في مونت كارلو.
و إن كان بوتفليقة في حاجة إلى مال، فلنتركه " يدبّر راسو و يصوّر صوردي" من محاضرات يلقيها في جامعاتنا، كما فعلت مارغريت ثاتشر و كما يفعل بيل كلينتون و توني بلير. هكذا، بوتفليقة، " يسخّن جيبو" و طلابنا يستفيدون بشكل لا وصف له من تجربته الثمينة كدبلوماسي عريق و كصديق للراحل بومدين و كرئيس للجزائر... و كشاهد على عصور.
و إن كنا مقتنعين بأن الجزائر لا تزال في حاجة إلى بوتفليقة، فلا شيء يمنعنا من أن نستفيد منه حتى و هو خارج السلطة. فليفعل ما فعله آخر أقطاب الشيوعية في العالم الزعيم الكوبي فيدل كاسترو الذي بعد تخليّه عن الرئاسة تفرّغ لكتابة عمود صحفي‎. و إن كان رجل بمقام بوتفليقة لا يريد أن يحرم الأجيال القادمة من أسرار و حقائق لا يعرفها إلا هو و الله سبحانه ربما، فلنتركه يفعل كما فعل الزعيم الفرنسي شارل ديغول الذي كّرس أيام حياته الأخيرة لكتابة مذكراته.
لماذا نتعامل مع رؤسائنا و كأنهم لا يعرفون القيام بأي شيء آخر عدا أن يكون رؤساء؟! ألم يشارك ميخائيل غورباتشوف آخر رئيس للاتحاد السوفيتي " الأسطوري " و ما أدراك ما الاتحاد السوفياتي، في حملة اشهارية دعائية حيث ظهر ‏على الألواح الدعائية مروّجا لنوع معين من الحقائب الجلدية الفرنسية على أن يُدفع العائد المالي لتلك المشاركة لمؤسسة إنسانية كان يرأسها ؟!في هذا العدد بالذات يمكنكم أن تكتشفوا كمّا هائلا و مدهشا عن زعماء و رؤساء العالم، و أنا أتصفح مضمون تلك المعلومات التي تجسد ملف هذا العدد، بحثت عن إمكانية تخصيص حيز لرؤساء الجزائر، و لكني لم أنجح لأنني لم أعثر بخصوصهم على أكثر من كونهم رؤساء للجمهورية الجزائرية. و رحت أتساءل بحسرة و حزن كبيرين: لماذا رؤساؤنا لا يشبهون هؤلاء أو لماذا كل أولئك لا يشبهون رؤسائنا ؟! و هل العيب في رؤسائنا أم فينا نحن الذين كلما ترأسنا واحد منا، إلا و تحرّشنا به: " ما تروحش ربّي يعيّشك !". لماذا " ما يروحش ؟!" لنتركه " يروح"، فقبله، " راح" بن بلة و بومدين و الشادلي و بوضياف و علي كافي و زروال ! ماذا حدث لنا، عندما " راح" كل هؤلاء الرؤساء ؟ لقد بقينا كما كنا ، ميزيريتنا نفسها، و مشاكلنا ذاتها و الحمد لله ! و حتى بعدما " يروح" الذي سيأتي بعد بوتفليقة، سنبقى نحن هم نحن و دزاير هي دزاير.. و الحمد لله. و من يدري ربما تزداد مشاكلنا أكثر من ذي قبل... و الحمد لله!

نقش على الرخام


من كان لا يبصر غير محاسنه ومساوئ غيره فالضرير خير منه.

ميخائيل نعيمة


قطعة رخام صغيرة معلّقة على علو لا يتعدى أربعة أمتار. يمر أمامها الناس يوميا، منذ عقود من زمن القرن الحالي و القرن الذي سبق و ذلك الذي كان أسبق، لكن قلّة هم الذين يتلذذون بتكرار قراءة ما نُقش عليها من كلمات.
كلمات يمكنها أن تصنع المحاضرات في المدرجات، و تحرّض على إقامة المناظرات بين ذوي الألباب. و لكن لمن تلقي زبورك يا داود.
في البدء، كان سؤالا بسيطا وجهه لي أحد الأصدقاء. لقد سألني إن كنت قد قرأت ما حُفر من عبارات على الرخام المعلّق على الجدار الرئيسي لواحدة من أعرق و أشهر المتوسطات ( متوسطة بمفهوم الاكمالية) في المدينة التي أنحدر منها. فأجبته بأنني لا أعرف ذلك الرّخام فحسب، و إنما أنا أيضا مغرم به، و أتذكر أنني قرأت النص الذي كُتب عليه لأول مرة، عام 1974 إن لم تخني ذاكرتي، و في كل مرة أكون أنتظر فيها ابنتي التي كتبت لها الأقدار أن تدرس في تلك المتوسطة، لا أفوّت الفرصة من دون أن أقرأ النص الذي كُتب على ذلك الرخام و كأني لم يسبق لي أن قرأته من قبل. الكلمات التي ركّبت ذلك النص لم تكن لا شعرا و لا نثرا و لا بيانا من شاكلة البيانات التي تتوسل لبوتفليقة كي يقبل بأن يبقى رئيسا للجزائر لعهدة ثالثة، و لا كلمات لواحدة من أغاني الزهوانية أو هواري الدوفان، و لا تذكيرا باسم الرئيس أو الوزير الذي وضع ما كان و لا يزال يسمى " حجر الأساس".
" أنا أيضا، لم أشبع من قراءة ما كُتب على ذلك الرخام، و لا أبالغ لو أقول لك بأنني قرأت ذلك النص مئات المرات، منذ أن أصبحت أجيد تفكيك النصوص المكتوبة باللغة الفرنسية" قال صديقي. فسألته إن كان يتذكر ما هو مكتوب على ذلك الرخام. فشرع صديقي في قراءة الكلمات المعدودة لذلك النص، على نحو أكد بأنه يحفظه على ظهر القلب، و لأنني أنا أيضا كنت أحفظ نفس النص، فقد شعرت بنوع من الغيرة و كان عليّ ألا أترك صديقي ينهي قراءة النص لوحده، فشاطرته تلاوة الكلمات الأخيرة. و لأننا لم نكن بعيدين جدا عن المكان الذي يوجد به ذلك الرّخام، قال لي صديقي، ما رأيك لو نذهب إلى هناك و نقرأ من جديد ما كُتب. فأجبت صديقي بأنني تلقيت منه أجمل دعوة منذ أن أصبحت الدعوات مقتصرة على " اشرب قهوة".
" يكثّر خير" السيارة و الله يبشبش الطوبة التي تحت رأس أول من فكر في اختراعها ، ما هي إلا خمس دقائق أو أقل و وجدنا أنفسنا، نقف أمام ذلك الرخام. أخذ صديقي يقرأ ما قرأه و قرأته عشرات المرات، و لكن سحر الكلمات الكامن في بساطتها و صدقها، كان - كما يفعل في كل مرة- يجعلنا نشعر و كأننا كنا نقرأها لأول مرة.
بصوته الرنّان و نبرته المدينية (من المدينة) و نغمته الباريسية المطعمة بلهجة الرجولة الجزائرية، اخذ صديقي يقرأ الكلمات الخالدة على ذلك الرخام... أخذ يقرأ:
" شُيّد هذا المبنى على أرض منحها السيد فرديناند كامبون، على سبيل الذكرى لوالده هيلي كامبون الذي اختفى في غرق السفينة بالأطلس عام 1863. هذا تكريم يمليه برّ الوالدين" انتهى النص، و قد كانت هذه ترجمة.
بعدما أنهى صديقي القراءة، التفت و سألني: هل يعرف الجزائريون، أسماء كل الوزراء و الإطارات السامية في الدولة و المهندسين و الأطباء و الصيادلة و الطيارين و الأساتذة و الجامعيين و الكتاب و الشعراء و المسرحيين و السينمائيين و المخرجين التلفزيونيين و المخرجين الإذاعيين و الصحفيين و الأئمة الذين مرّوا بهذه المتوسطة... الذين أصبحوا ما أصبحوا عليه من مكانة بفضل ما تعلّموه في هذه المدرسة ؟ فقلت: أكيد أن أغلبهم لا يعلم بذلك. فعاد صديقي ليسأل: ألا يعتبر ما قام به هذا الرجل غير الجزائري " صدقة جارية" ؟ فقلت: ربما... و عموما حينما نقرّ بأن اختراعات و اكتشافات اديسون، و باستور و بيار ماري كوري و كل الذين شابهوهم في الفضل و المصير، يمكن تصنيفها ضمن الصدقات الجارية، فما من شك أن الهبة التي تقدم بها السيد كامبون، تُعدُّ صدقة جارية هي كذلك. ثم سألني صديقي، و لحسن الحظ أن سؤاله لم يسمعه شخص آخر غيري، حيث قال صديقي متسائلا: أنا أتساءل، لماذا لم تحمل هذه المتوسطة اسم " كامبون" بدلا من "عبد الحميد ابن باديس"، ما دام كامبون هو الذي تبرّع بقطعة الأرض الشاسعة الثمينة هذه، كي تُقام عليها المدرسة، و ليس ابن باديس الذي حسب علمي، لم يقدم أرضا، و لم يشارك لا في بناء هذه المدرسة و لا في تجهيزها و لا في تمويلها و لا في تدريس التلاميذ الذين كانوا يدرسون بها ؟ فأجبت صديقي بأن السيد " كامبون" تبرّع بقطعة أرض لم يكن يملكها و إنما هي جزء من أرض اغتصبها أبوه و أجداده و ملكّوه إياها، و بالتالي كان من الطبيعي أن تحمل المدرسة ، بعد الاستقلال اسم عبد الحميد بن باديس، لأن ابن باديس واحد من أصحاب هذه الأرض و واحد من الذين كافحوا من أجل استرجاع هذه الأرض، و هذه حقيقة لا ينكرها إلا مريض أو معتوه أو جاحد.
جوابي بدا لي أنه لم يقنع صديقي الذي قال: "لكن في الزمن الذي تبرّع فيه المستعمر كامبون بهذه الأرض، كانت الإدارة الفرنسية هي سيدة الموقف في بلادنا، و هي التي كانت تعترف بملكية زيد أو عمر، و هي التي كانت تقرّ للسيد كامبون بملكيته لهذه الأرض و لكل العقارات الأخرى التي كان يملكها. و ما دام هو المالك، فقد كان بإمكانه ألا يتبرّع أصلا بقطعة الأرض هذه، و لو هو لم يتبرع بقطعة الأرض هذه، لما وُجدت هذه المدرسة اليوم، و لما تخرجت منها كل تلك الأجيال من الناجحين، و بالتالي أنا أصرّ على أنه كان من اللائق جدا أن تحمل هذه المدرسة اسم كامبون بدلا من ابن باديس ! فقلت لصديقي بأن السيد كامبون تبرّع بتلك الأرض لتقام عليها مدرسة كي يتعلم فيها أبناء الفرنسيين و ليس أبناء الجزائريين - إلا ما رحم ربك و رضيت الإدارة الاستعمارية عن أوليائهم -، و من ثمة قدّر قادة البلد بعد الاستقلال أنه لا جميل لهذا المدعو كامبون يستأهل أن يردّه له الشعب الجزائري، فكان اسم ابن باديس أحق بهذا الشرف .
لم يقتنع صديقي بكلامي، و هذا ما لم يخفه عني، قبل أن يخاطبني سائلا: هل تتذكر الاسم الذي كانت تحمله هذه المدرسة قبل الاستقلال و قبل أن يُعطى لها اسم " ابن باديس" ؟ فأجبته بأنها لم تكن تحمل اسم أي شخص كان لا فرنسي و لا أمريكي و لا انجليزي و لا تركي و لا جزائري طبعا. فقال: لماذا أعطينا نحن لهذه المدرسة اسم شخص إذن ؟! فقلت: لأن اسم بن باديس بالذات يرمز إلى العلم. فقال صديقي سائلا: و لكن، ألم يكن للفرنسيين كذلك أسماء أشخاص ترمز للعلم ؟! فقلت على سبيل اختصار المسافات: أكيد أنهم كانت لهم أسماء ترمز للعلم، و لكن هذه المدرسة بُنيت في وقت كانت فيه هذه المدينة، صغيرة، و بما أن مدرسة واحدة أو مدرستين كانتا تكفيان، فقد كان يكفي تسمية واحدة " مدرسة الأولاد" و الثانية " مدرسة البنات" مثلا، و الصلاة على النبي (صلى الله عليه و سلم). و لكن، يا صديقي لماذا أنت تلحُّ على أن تحمل هذه المدرسة اسم " كامبون" بدلا من " ابن باديس" ؟! فقال لي: أتحداك لو تستطيع إحصاء عدد المدارس و المتوسطات و الثانويات الموجودة في الجزائر، و التي تحمل اسم " عبد الحميد بن باديس" ! إنها كثيرة جدا جدا و لا تُعدُّ و لا تُحصى. لكن في المقابل كان من الممكن أن تحمل هذه المدرسة و هذه المدرسة فقط، اسم " كامبون" الرجل الذي تبرّع بالأرض التي أُنجزت عليها.
ابتسمت و قلت لصديقي: و ما جدوى إعطاء اسم " كامبون" لهذه المدرسة بدلا من ابن باديس... في ماذا كان ذلك سينفع ؟! فقال الصديق: لو أعطينا اسم " كامبون" لهذه المدرسة، كان كل تلميذ يدخل لهذا المكان لأول مرة سيسأل: من هو كامبون ؟ و في كل مرة كان الجواب يأتي بأنه رجل بحث عن أفضل طريقة يكرّم بها والده المتوفى، فتبرع بأرض ثمينة تقع في قلب المدينة النابض، كي تُقامُ عليها مدرسة... رجل اكتفى بتخليد اسم والده على قطعة من رخام.. كنا بذلك سنعلّم أبناءنا كيف يمكن للإنسان أن يخلّد في الدنيا بعد موته، و كيف أن العلم هو أسمى ما يمكن أن نهدي لمن نحب، و كيف أن الصدقات الجارية يمكنها أن تتجسد أيضا في مدرسة...
قاطعت صديقي و قلت له: احمد الله أن قطعة الرخام هذه بقيت، و أن المدرسة كذلك بقيت و لم تُحول إلى ڤاراجات ، خصوصا و أن الموقع استراتيجي، و محلات لبيع " الدوبارة" و " الدوّارة" و ما تيسر من حليب و مشتقاته، لم يكن القوم يجدون أفضل من هذا المكان لإقامتها . هيا، يا صديقي العزيز، اكتفي في كل مرة بقراءة هذا النص،و لا تجاهر بقراءتك و لا تكرّر مرة أخرى أمام شخص آخر الكلام الذي سمعته منك، ، و إلا فانك ستجد نفسك مورطا في قضية تتعلق بتمجيد الاستعمار.

لا تسألوا قبل 20 سنة


القوانين الجيدة تؤدي لخلق قوانين أفضل، والقوانين السيئة تؤدي إلى قوانين أسوأ.

جان جاك روسو


الدولة على لسانها أحد رجالها و هو الوفي النشط الدكتور الذي لا يعالج مرضى، جمال ولد عباس، تقول بأنها قرّرت أن تستبدل قفة رمضان بصكوك بمبلغ 7000 دج على ما أعتقد، تُمنح اعتبارا من العام المقبل لفقراء هذا البلد، سويعات قبل حلول شهر رمضان المعظم.
Monsieur solidarité المدعو ولد عباس، أراد أن يقنع من هم مقتنعون به قبل اليوم، بأن قفة رمضان، فكرة " بطّالة". قرابة العشرين سنة، و قادة هذا البلد منذ عهد الشادلي بن جديد، يوزعون هذه القفة التعيسة، عشية كل موعد صيام، و لم يتفطن أحد منهم إلى أن الفكرة " فالصو". كان لا بد من أن يمضي عشرون رمضان، كي يقتنع القوم أخيرا بأن قفة رمضان هذه " حكاية راشية".
على قفة رمضان، يمكننا أن نقيس باقي ما يحدث في الززاير. القرارات العوجاء و العرجاء و المعوقة و العمياء لا تنقصنا و الحمد لله، فهذا كل ما ننتج منذ 62، و هذا ما بقينا نحطم فيه أرقاما قياسية عالمية، ظل " غينس" يتنكر لها و يحرمنا من الاعتراف بها. و كل واحد من تلك القرارات المشلولة يمكننا أن نتصور عظماء بلدنا لا ينتبهون إلى العيب الذي يشكو منه، إلا بعد مضي 20 سنة. حينها أي بعدما تمضي 20 سنة أو اقل أو أكثر بقليل، يطل علينا واحد من عظماء الجيل اللاحق و هو غالبا ما يكون من سلالة حكماء الجيل السابق، و يعترف بأن ذلك القرار لم يكن صائبا و أنه توجب تصحيحه. و بالفعل، فذلك العظيم " نيو لوك" يصححه، لكنه يصححه على نحو خاطئ،حتى يسمح لمن سيخلفه بأن يرث قرارا مجنونا، يعلن ضرورة علاجه... بعد 20 سنة أخرى !
في حالة قفة رمضان، مثلا، ما هو العيب الذي تأكد منه ولد عباس ؟ لقد قال معاليه أنه تبين بأن صيغة قفة رمضان ظلت دائما تعتريها التلاعبات ! باباباباباباب... كيف استطاع ولد عباس أن يتوصل إلى معلومة ثقيلة و خطيرة بهذا الحجم ؟! فرانشما - كما يقول حمه لفرودور- يجب الإقرار بعبقرية جمال ولد عباس، و أنا شخصيا، الآن فقط ، استنتجت لماذا هو حريص بوتفليقة على إبقاء هذا الرجل في الحكومة. و الآن، فقط، فهمت، لماذا كان يجب الانتظار طيلة حوالي 20 سنة، كي يكتشف أولو الأمر منا، أن قفة رمضان، بدعة ما أنزل الله بها من سلطان. طبعا، ليس من السهل أن يكتشف الواحد منا في ظرف عام واحد أو عامين أو ثلاث أو أربع سنوات أنه يوجد من اشترى بأموال الدولة مواد غذائية لا يستطيع أن يستحضرها إلا واحد من الجن الذين سخّرهم الله سبحانه لسليمان، لأنها مواد اختفت من رفوف المتاجر، نهاية السبعينات. كما أنه ليس من البسيط أن يعرف الواحد منا أو منهم أن علبة طماطم و كيلوغرامين من السكر و كيلوغرام من العدس و آخر من اللوبيا و آخر من العجائن و لترين من الزيت يمكنها أن تكلف الدولة حوالي 5.000 دج !
نعم، الأمور ليست بالبساطة التي قد نتصورها، و انتهاء التحقيقات في هذه القضية بعد حوالي 20 سنة " فقط" يعدُّ انجازا سيسجله التاريخ بحروف من ماء الزيڤو .
عندما استيقظ سكان هذا البلد، ذات يوم منذ حوالي خمس سنوات، و بلغهم أن ذلك الطفل المسمى رفيق مومن خليفة الذي كان يوشحه عبد العزيز بلخادم، الأوسمة، و الرئيس بوتفليقة يستقبل ضيوفه و يقيم مآدب العشاء على شرفهم، قد طار و طارت معه أموالهم المودعة في بنكه. ماذا قال الحكام الحكماء الذين يحكمون هذه البلاد ؟ لقد قالوا أن العيب يكمن في قانون الصرف الذي ينظم كيفيات تأسيس البنوك الخاصة. ذلك القانون كان قد سُنّ في عهد حكومة مولود حمروش بداية التسعينات. بين تاريخ سنّ ذلك القانون، و بين تاريخ تفجير قضية " الفزغول" الذي لعب بالدولة ، هناك حوالي 15 سنة. طبعا، يجب، الاعتراف مرة أخرى بأنه ليس من السهل بما كان أن تكتشف العيوب الموجودة في قانون مثل ذلك المشار إليه، إلا بعد مضي 15 سنة على الأقل...لا، و ليس هذا فحسب، بل كان يجب الانتظار إلى أن نطمئن بأن صبيا مثل رفيق مومن خليفة، قد جمع كل ما كان مودعا ببنكه من أموال بالدولار و اليورو، ثم نتأنى بعض الوقت إلى أن نتأكد من أن " وليدو" وجد ما يكفيه من سيارات لنقل " الشكاير" إلى غاية الطائرة ، ثم لا نتسرع، نرتشف قهوة - حتى لا أقول الويسكي أو الكونياك-، نستمتع بتدخين سيجارا ، نكلف أنفسنا عناء الاتصال هاتفيا بحسناء اليوم، لنسألها ماذا سترتيدي لسهرة اليوم ، ثم نمشي بضع خطوات تنتهي أمام نافذة المكتب العريضة، و نقف لنتأمل من بعيد و من فوق في حركة المرور بشوارع دزاير.. و ننتظر... و ننتظر... و ننتظر إلى أن يرن الهاتف. نرفع السماعة، فيقولون لنا: خلاص c'est bon لقد طارت الطائرة بما فيها من شكاير.
C'est bon ... الآن يمكن لأي واحد منهم أو منا أو من الآخرين... نعم، أي واحد، فالمهمة يمكن أن تقوم بها حتى حدّه العورة. ذلك الواحد الذي ليس لزاما أن نرى " فيڤورته" يمكنه أن يخاطبنا تحت غطاء " مصدر مأذون" من خلال وكالة الأنباء الجزائرية، ليقول لنا بأن خليفة طار و الأموال طارت معه، و أن العيب في قانون الصرف و أنه " لابد" ( نعم " لابد") من مراجعة قانون الصرف و إعادة النظر في كيفيات و إجراءات إنشاء البنوك الخاصة، لأن العيب ها هنا يكمن!
بطبيعة الحال، كان لابد من الانتظار حوالي 15 سنة، ليكتشف المحقق شرلوك هولمز أن العيوب الموجودة في قانون مولود حمروش، هي التي مكّنت رفيق مومن خليفة من أن ينفّذ سرقة القرن في بلد لم يستهلك نصف قرن من استقلاله !
نحن، هكذا، في بلد الحكماء، لا نكتشف العيوب إلا بعد مضي 15 و 20 سنة. و ليس، هذا فحسب، فنحن أيضا، لا نتفطن إلى عيوب القرارات إلا بعدما تمتلئ الجيوب.. بالصدفة، هي هكذا الأمور عندنا ! و بالصدفة أيضا، لا يجب أبدا أن ننتظر ثمار مشاريع، بعد 20 سنة. فبعد 20 سنة، لا يجب أن نترقب إلا الاعترافات بكارثية القرارات التي اتخذها السلف من نفس " الرّاطسة" و ذات " الملّة" مع اختلاف بسيط في الأعمار.
نفس الشيء، بالنسبة لقفة رمضان. اكتشفنا بعد عشرين سنة، أن صيغة القفة، لم تعد " تخرج علينا"، لأن في القفة التي حُسبت قيمة الواحدة منها بحوالي 5.000 دج، وقع تلاعب بها، فقررنا استبدالها بصكوك مالية قيمة الواحد منها بسبعة آلاف دينار... هكذا، لا تحدث تلاعبات !!! و بعد 20 سنة من الآن، إن شاء الله، سنعترف بأن الذين قرّروا إصدار صكوك رمضان، أساءوا التقدير و لذا لا بد من أولا من رفع المبلغ من 7.000 دج إلى 70.000 دج، و ثانيا، الدفع يكون " كاش" بدلا من الصك. و في كل الحالات و الأحوال، و مهما كان رقم العام، يمكن للفقير أن يستعد ليأخذ إصبعي.
هذه أيام، و دول العالم بكامله توجد في حالة استنفار قصوى، تحسبا لمواجهة إعصار مالي عالمي لم يحدث مثيل له منذ 70 سنة. كل واحد من سكان العالم، عرف ما هي فاعلة سلطات البلد الذي يقيم فيه، لإنقاذ ما يمكن إنقاذه من اقتصاد ذلك البلد، إلا نحن... لا نعرف شيئا. يمكننا أن ننتظر، 20 سنة أخرى من الآن، كي نعرف من الخليفة اللاحق، ما كان قد قام به الخليفة السابق. أما في الوقت الراهن، فيمكننا أن نرتقب إن كان بوتفليقة سيعدل الدستور مباشرة بعد العيد - و قد احتفلنا بالعيد-، كما كان قد لمّح إليه أويحي أم أن الموضوع لا يزال مؤجلا إلا ما بعد شهرين اعتبارا من نهاية رمضان، كما كان قد أكده عبد العزيز بلخادم.منذ أيام قليلة، و في سياق تداعيات الأزمة المالية العالمية، هناك رجل جزائري خبير اقتصادي اسمه عبد الرحمان مبتول تحدث في الموضوع و قال ( قال ما كنا نعلم به بفضل الجميع عدى فضل الدولة) أن السلطات الجزائرية أودعت 43 مليار دولار مما تكتنزه من عائدات البترول أي ما يعادل ثلث احتياطي الصرف ، أودعتها في بنوك أمريكية. البنوك الأمريكية هي أول و أكبر المتضررين من الأزمة المالية العالمية الجديدة، لكن لا أحد يعرف شيئا عن حجم الضرر الذي لحق بقيمة تلك الودائع المالية الجزائرية... هل بقيت 43 مليار دولار كما أودعت لأول مرة ؟ هل تقلّصت إلى النصف ؟ هل لم يبق منها رمزيا، إلا مليون دولار " على عينين الناس" ؟... لا أحد يعرف شيئا، و لكن لا تتسرعوا، فبعد 20 سنة فقط، سيطل عليكم رجل مثل جمال ولد عباس ليروي لكم قصة الودائع المالية الجزائرية في البنوك الأمريكية، تماما كما حدثت قبل 15 سنة !

يا دزيري .. يا رأس المحنة


" فظيع هو الموت عطشا في البحر".

فريدريك نيتشه


رئيس جنوب إفريقيا، و لأن حزبه دعاه إلى تقديم استقالته، بدعوى أنه سعى للتأثير على قرارات العدالة، لم ينتظر طويلا، و استقال من منصبه " نورمال"، و في مدة زمنية أقل من تلك التي تكون قد استغرقتها واحدة من حصص سماع الرئيس بوتفليقة لأحد وزرائه في إطار جلسات رمضان الليلية التي أصبحت سنّة حميدة عندنا، في مدة أقل منها إذن، تمت تزكية رئيس جديد لبلد نيلسون مانديلا، ريثما تجرى انتخابات رئاسية، هي في الحقيقة ستتم قبل أن ننهي نحن ما يسمى عندنا " مراجعة القوائم الانتخابية".ما من مشكلة في جنوب إفريقيا، كما في بلدان أخرى، رئيس يذهب و آخر يحل محلّه، و الناس يمرّون للحديث عن مواضيع أخرى كموضوع الفيلم الأخير لمايكل مور مثلا.
في الجزائر، أزيد من عامين و القوم ينبحون " عهدة ثالثة"، " عهدة ثالثة"، " عهدة ثالثة"... عهدة ثالثة"، و المعني الأول و الأخير بالأمر لا يرد كما لو أنه " قافلة تمر". إلى يومنا هذا، لا تزال الجماعة تصنع من هذه العهدة الثالثة "أزمة"، مع أنه كان من الممكن للجميع أن يعفي نفسه من هذه الأزمة. لكن impossible ! ففي هذا البلد لا يحلو لنا أمر إلا إذا ما أزمناه و عقدنا جده و سوّدنا جدته و ورطنا عمته و استمتعنا بجرّ أخته في الوحل. لدينا رئيس هو الآن على وشك إنهاء ثاني خمس سنوات له في الحكم. هو لا يتكلم، و لا يقول بأنه يريد أن يبقى رئيسا لخمس سنوات أخرى، لأنه يدرك بأن دستور البلد لا يسمح له بذلك. و لكن هناك من لم يكف منذ أكثر من 24 شهرا، عن دعوته إلى تعديل الدستور على النحو الذي يسمح له بالبقاء في سدة الحكم لخمس أو سبع أو 14 أو 21 سنة أخرى. لكن رئيسنا يستمر في صمته، و الذين يتكلمون بدلا منه، تخاصموا أحيانا، و تآمروا على بعضهم بعض أحيانا أخرى، و نصبوا الفخاخ لبعضهم بعض في أحيان كثيرة، و كذّبوا بعضهم بعض دائما و أبدا و حاليا هم يتسابقون: من منهم ينطق بصوت بوتفليقة قبل حتى أن تنطق حنجرة بوتفليقة.
أنا مثلكم و مثل حمه لفرودور، لم يعد يهمني أن يبقى بوتفليقة أو يرحل، لأني استفدت من الدرس منذ أن كان محمد الصالح يحياوي مسؤولا للجهاز المركزي للحزب ( الحزب الواحد في السبعينات) و فهمت une fois pour toute بأن الرؤساء لا هي قضيتي و لا هي قضية كل الذين هم مثلي. و لكني لا أخفي عنكم أن هذه " الشقلالة" المسمّاة عهدة ثالثة تزعجني و تعكّر صفو حياتي و أصبحت أصابُ بالدوار كلما أسمعها... لأنها محنة... واحدة من المحن التي تذكرني بمحن made in Algeria أخرى لا تستطيع أن تحصيها إلا إذا ما استطعت أن تحصي عدد الميكروبات التي تتركها على فراش نومك في كل صباح. فكل ما عندنا في الجزائر محنة، بل أن الجزائر و كأنها لا توفر سوى المحن... إلى جانب البترول و الغاز طبعا. و محنة رئيس 2009 محنة لا هي الأولى و لا هي الأخيرة.
في بلد ما من مسؤول تقول له : صباح الخير إلا و قال لك: un extrait d'acte de naissance et deux photos ! ، كل شيء مقنّن له كي لا يكون شيئا آخر عدا محنة.
تصبح رئيسا، محنة. تكون رئيسا و ترغب في الرحيل، محنة. تكون رئيسا و تريد البقاء رئيسا، محنة. تكون مريضا، محنة. تكون طبيبا أو ممرضا، محنة. لأنك و أنت مريض قد يحدث لك ألا تجد لا الدواء و لا السرير و لا من يعالجك. و أنت طبيب أو ممرض، قد تجد نفسك عاجزا أيضا عن معالجة المريض لأنك لا تتوفر لا على الدواء و لا على السرير و على دور لك في قاعة العمليات الجراحية.
تكون تلميذا، محنة. و تكون معلما أو أستاذا، محنة كذلك. أما حينما تكون ولي تلاميذ، فهذه محنة المحن، لأنك تستيقظ صباحا و أنت عاجز عن الفصل في خيارين أحلاهما مرّ: تذهب إلى عملك، و لا تغادره إلا بعدما تنقضي فترة عملك على النحو الذي يرضي الله سبحانه و ضميرك، أو تهجر مكان عملك لأربع أو ستة أو ثماني مرات في اليوم الواحد، كي ترافق أبناءك من البيت إلى غاية مدخل كل واحدة من المدارس التي يتعلم فيها أولئك الأبناء، ثم تعود إليهم لتنتظر خروجهم أماما باب كل واحدة من تلك المدارس، لكي تعيدهم بنفسك إلى البيت، وإلا فان احتمال تعرضهم للخطف من قبل أولاد الـ... قائم بنسبة 101 % !
تكون موظفا عند الدولة، محنة لأنك مهدّد بإدراج اسمك ضمن الذين يستحقون قفة رمضان (إن هي وُجدت طبعا). تكون تاجرا، محنة أيضا، لأنك معرّض في أي لحظة للإفلاس بسبب ضرائب و رسوم بعضها لا يختلف اسمه عن TPS و بسبب الكناس و الكازنوس و الكاكوبات... و حدّة العورة.
تتزوج محنة، تعدّد الزوجات محنة، تطلق محنة، تنجب الأولاد، محنة، تزوج الأولاد و البنات، محنة، تبقى معهم، محنة، تهرب و تترك لهم و لأمهم البيت، محنة، لأن حتى الحرڤة ليست بالمجان.
تُستدعى من قبل العدالة.. أن تكون مدعيا، محنة و أن تكون مدعى عليه، محنة كذلك. و أن تكون قاضيا، أيضا محنة، لأنك من كثرة الملفات الموكلة إليك، لا تبقى تفرق بين من هو مدعى و من هو مدعى عليه. أن تكون مستفيدا من حكم قضائي موجه للتنفيذ، محنة. لأن التنفيذ في بلادنا هو في حد ذاته محنة. و أن تكون محضرا قضائيا، محنة كذلك، و جائزة تتمثل في قفة رمضان مهداة من قبل جمال ولد عباس، لكل من يثبت أن هناك محضر قضائي واحد وجد طرفا معنيا بتنفيذ حكم قضائي ضده، استقبله بطبق من دڤلة نور، و كوبا من حليب بقرة لا تتغذى من الزبّالة و " الصاشيات".
شهر رمضان، محنة. الدخول المدرسي، محنة. العيد، محنة... ثم العيد الآخر، محنة.... ثم عيد المولد النبوي الشريف، محنة. فاتورة الهاتف، محنة. فاتورة الماء، محنة. فاتورة الكهرباء و الغاز أم المحن.
محنة انقطاع الكهرباء لم تكن المحنة الوحيدة في بلدنا، و إنما كانت منذ أيام مجرد تتمّة لسلسلة طويييلة من المحن. محنة الماء، محنة الطرقات، ، محنة الإنارة العمومية، محنة الزبّالة، محنة الزيڤو "، محنة الكتب المدرسية، محنة الاكتظاظ في الأقسام الدراسية، محنة الدروس الخصوصية خارج المدرسة، محنة الطب المدرسي، محنة المرحاض المدرسي، محنة الساحات المدرسية،محنة التلفزيون، محنة الڤازوز"، محنة " الكاشير" ، محنة قفّة رمضان التي قرأ الفقراء عن كمياتها و لم يلمسها إلا طويلو الأعمار من الذين أراد الله لهم أن يعمّروا في الهم و الميزيرية.
... و يمكنني أن أسترسل في إحصاء المحن المضروبة بدمغة " 100 % algérien " إلى أن أصل إلى محنة قباقيب تعطيل السيارات les sabots jaunes التي أصبحنا في الجزائر نتسلّى بوضعها في عجلات السيارات المتوقفة. نعم، هذه أيضا محنة، لأن الذي يحظر على الناس التوقف في كل الأماكن تقريبا، يجب أن يكون قادرا على أن يوفر لهم أماكن أخرى يمكنهم أن يتوقفوا بها. فالحال، أن مدننا أصبحت لا هي مدن و لا هي قرى، لا طرقات و لا أرصفة واضحة فيها، حتى أن السيارات أصبحت " تمشي" على الأرصفة و البني آدميين " يسيرون" على الطرقات. مدننا اختنقت، و السيارات انتشرت بلا تخطيط (كالعادة، فنحن أعداء التخطيط)، و الناس لا يجدون أين يوقفون عرباتهم، و حيثما يولّون وجوههم لا يمكنهم أن يقرأوا عدا " ممنوع " .." ممنوع "... " ممنوع" ! و حينما يوقف الواحد منهم، سيارته مضطرا غير باغ، فانه يعود ليجدها معطلة بالحديد الأصفر الذي يفكر بفقر الفيليبين.
ما من شك أن الجزائريين الذين سافروا إلى تونس و قضوا أيام عديدة هناك، " استمتعوا" بتوقيف سياراتهم حيثما أرادوا و للفترات التي شاءوا، من دون أن يزعجهم أي كان، طالما أن ذلك لا يخل بحركة النقل و لا بسلامة الأشخاص و الممتلكات. في مدن تونسية صغيرة، و رغم الضغط المبرّر بالتواجد السياحي الكثيف، و رغم الأعداد الرهيبة من السيارات الحاضرة هناك، إلا أنك تجد دائما مكانا، توقف به سياراتك من دون أن يصفّر عليك الشرطي أو أن تجد سيارتك معطّلة. و قد تتعجبون، لو أقول لكم بأنه حدث لي أن كنت أوقف سيارتي طيلة أسبوع كامل على خط التماس مع إحدى الاقامات الرسمية للرئيس التونسي زين العابدين بن علي بمدينة سوسة، و هي إقامة محروسة، و رسمية الحراسة بادية من الخارج بشكل جلي و تظهر للعيان من بعيد جدا... و مع ذلك لم يزعجني أحد و لم يطلب مني أي كان أن أنقل سياراتي من ذلك المكان. عندنا في الجزائر، أصبح المكان الوحيد الذي هو مسموح لك أن توقف به سيارتك، هو كاراج بيتك، و ما عداه فهو " ممنوع"... كل شيء ممنوع، و ما هو ليس ممنوعا، فهو دون شك حرام !

* فريدريك نيتشه (1844 - 1900) فيلسوف ألماني ، عالم نفس،و عالم لغويات متميز. تميز بشخصية عدوانية جداً، و كونه ناقدا حادّا للمبادئ الأخلاقية،و النفعية، و الفلسفة المعاصرة ، المادية، المثالية الألمانية، الرومانسية الألمانية، والحداثة عموماً.